“المستشارة الروحية” لدونالد ترامب.. كيف هيمنت النبوءات الدينية على قرارات السياسة الأمريكية؟
مجموعة من القساوسة الإنجيليين يحيطون بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهو جالس على كرسيه مغمضًا عينيه، ويدعون ربهم أن يحفظ رئيسهم ويجعل النصر حليفه. كان ذلك المشهد بعد أيام قليلة من بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران نهاية فبراير/ شباط 2026، فيما بدا كنوع من التعبئة الدينية خلال الحرب.
نظمت هذا المشهدَ الروحاني تلك المرأة التي ترتدي بزة حمراء. فمن هذه المرأة؟ وما قصتها؟
إنها باولا وايت.. قسيسة إنجيلية، باتت تُعرف في واشنطن بأنها “المستشارة الروحية” لدونالد ترامب، فهي واحدة من أقرب الشخصيات الدينية إليه.
عاشت وايت، ذات الـ 60 ربيعًا، طفولة مضطربة بعد انفصال أبويها، ثم انتحار والدها لاحقًا.
ومنذ المراهقة، بدا عليها ملامح التدين، إذ اعتنقت المسيحية الإنجيلية، وأسست بعد ذلك مع زوجها كنيسة “Walls Without Walls” في مدينة تامبا بولاية فلوريدا، والتي تحولت لاحقًا إلى واحدة من أكبر الكنائس المرتبطة بتيار ما يعرف بـ “إنجيل الرخاء”، وهو تيار ديني مسيحي يربط بين الإيمان الديني والنجاح المادي والدنيوي.
خلال عام 2002، شاهد دونالد ترامب برنامجًا تلفزيونيًّا دينيًّا تقدمه باولا وايت، ونال أسلوبها إعجابه، وهو ما حدا به إلى التواصل معها ودعوتها لاحقًا لإلقاء عظات دينية في بعض المحافل.
كانت تلك نقطة تحول كبرى في مسيرتها، إذ مثل ذلك بداية لعلاقة طويلة جمعتهما سويًا، وجعلت وايت واحدة من أهم مستشاريه الروحيين.
ومع دخول ترامب عالم السياسة، باتت وايت فاعلًا رئيسًا في الأوساط الدينية الداعمة له. حيث شاركت في المجلس الاستشاري الإنجيلي لحملته الرئاسية عام 2016. كما قادت مراسم الصلاة خلال حفل تنصيبه رئيسًا للولايات المتحدة في يناير/ كانون الثاني 2017.
ثم عُيّنت رسميًا، في عام 2019، مستشارة لمبادرة الإيمان والفرص في البيت الأبيض، لتصبح أول امرأة إنجيلية تتولى هذا الدور داخل الإدارة الأمريكية. وفي فبراير/ شباط 2025، أنشأ ترامب ما يسمى “مكتب الإيمان”، وأوكل رئاسته إليها.
خطاب ديني منخرط في المعارك السياسية
ما يلفت النظر في الخطاب الديني لباولا وايت هو انخراطها الشديد في السياسة والصراعات الدولية، حيث تقدم تفسيرات دينية للكثير من الأحداث الجارية في العالم، وتتعامل مع الكثير منها بمنظور “النبوءات”.
فقبيل أيام من حسم نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2020، ظهرت وايت متحمسة في صلاة بُثت مباشرة من إحدى الكنائس في فلوريدا، متحدثة عن “قوى شيطانية” تحاول سرقة الانتخابات، وداعية ربها لتدخل الملائكة لحماية ترامب، معتبرة أن ما يحدث جزء من معركة روحية دينية أوسع.
لا يقتصر الأمر، فيما يبدو، على السياسة الداخلية فقط، بل تتجاوز وايت إلى ما يمكن وصفه بـ “الحشد والتعبئة الدينية” في قضايا تتعلق بالحروب والسياسات الخارجية للولايات المتحدة.
ففي فبراير/ شباط 2026، تحدثت وايت، خلال مؤتمر ديني بولاية فلوريدا، عن “المؤمنين الذين يتقدمون الصفوف في سبيل الله”. واللافت أن ذلك كان قبل أيام فقط من بدء العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
وكما ذُكر في صدر التقرير، نظمت وايت مراسم صلاة داخل البيت الأبيض بعد أيام قليلة من بدء الحرب، وتحديدًا في 5 مارس/ آذار 2026. وشارك في الجلسة عدد من القساوسة الإنجيليين، وهو ما يعطي للحرب ما يمكن وصفه بـ “الغطاء الديني”.
دعم مطلق لإسرائيل
لم يقف الأمر عند هذا الحد، فالخطاب الديني لباولا وايت يتجاوز حدود السياسة المحلية الأمريكية ليتقاطع مع عقيدة لاهوتية راسخة تتماشى مع منطلقات “الصهيونية المسيحية”، ولها تأثير كبير على السياسات الخارجية تجاه إسرائيل.
هناك ثوابت إلهية لا تقبل الجدل، وإسرائيل في مقدمتها
باولا وايت
فبالنسبة لها، لا تعد إسرائيل مجرد ملف في أجندتها السياسية، بل جزءًا لا يتجزأ من تكوينها العقدي، وتعتبر دعم إسرائيل واجبًا شرعيّا.
وخلال حوارها مع بنيامين نتنياهو عبر شبكة “Daystar”، استنطقت وايت الأحداث الجارية لربطها بـ “نبوءات آخر الزمان”، التي تربط عودة اليهود إلى إسرائيل بنهاية العالم.
وانطلاقًا من ذلك، ترى وايت أن من يخذل إسرائيل يضع نفسه في مواجهة حتمية مع القدر الإلهي ومسار التاريخ المرسوم في الكتب المقدسة.
كما يتضح، يعكس هذا الخطاب رؤية منتشرة داخل بعض الأوساط الإنجيلية في الولايات المتحدة، التي ترى في أحداث الشرق الأوسط جزءًا من معركة روحية كبرى، وتعتبر دعم إسرائيل تحقيقًا لنبوءات توراتية عن أحداث آخر الزمان والصراعات التي تسبقه.
وإذا نظرنا إلى هذا الخطاب من زاوية تحليلية أوسع، من الممكن القول إن ظاهرة “باولا وايت” لا تنفك عن صعود التيارات اليمينية في العالم، لا سيما الغربي، إذ تتعزز السرديات الدينية والقومية المتطرفة، وتهيمن الرؤى الأحادية الحَدّية، ويتلاشى صوت الحوار والتعايش.
وهو ما يدفع إلى التساؤل: هل تهدد هذه الظاهرة بالانقلاب على عالم ما بعد “صلح وستفاليا” وتعيد الحروب الدينية إلى الواجهة مرة أخرى؟
المصادر
- رابط Trump asks for God’s blessing against Iran — Oval Office prayer video Agenzia Nova
- رابط From marrying thrice to calling BLM anti-Christ Times of India
- رابط Who is Paula White? Meet the Prosperity-Gospel Televangelist The Monastery
- رابط President Trump Announces Appointments to the White House Faith Office (Feb 2025) WhiteHouse.gov
- رابط Trump’s Pastor Paula White New York Times (archived)
- رابط Netanyahu tells Paula White: no greater partners than Christians Christian Post
- رابط مكتب الإيمان — موسوعة الجزيرة الجزيرة نت